لائحة الحوكمة: مكوناتها وخطوات إعدادها واعتمادها

كثير من المؤسسات تملك سياسات متفرقة: سياسة للصلاحيات، وأخرى للمكافآت، وثالثة للإفصاح. لكنها لا تملك وثيقة واحدة تربط هذه السياسات وتوضح من يقرر ماذا، ومن يُسأل عن ماذا. هذه الوثيقة هي لائحة الحوكمة الداخلية.
في هذا الدليل نشرح مكونات لائحة الحوكمة، وأساسها النظامي في المملكة، وخطوات إعدادها واعتمادها ومراجعتها، وكيف تكيّفها مع حجم مؤسستك ونشاطها.
ما هي لائحة الحوكمة الداخلية؟
لائحة الحوكمة هي الوثيقة التي تجمع القواعد المنظمة للعلاقة بين المساهمين ومجلس الإدارة واللجان والإدارة التنفيذية وأصحاب المصالح. وتحدد الصلاحيات، وآليات المساءلة، وطريقة اتخاذ القرارات وتوثيقها.
يمكن النظر إليها بوصفها "الدستور الداخلي" للمؤسسة، فهي المرجع الذي تعود إليه السياسات والإجراءات التفصيلية.
الفرق بين لائحة الحوكمة الداخلية ولائحة هيئة السوق المالية
يخلط كثيرون بين الوثيقتين، والفرق جوهري:
لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن الهيئة: تنظيم رقابي عام يحدد الحد الأدنى من المتطلبات للشركات المدرجة.
لائحة الحوكمة الداخلية: وثيقة تصدرها المؤسسة نفسها لتطبيق تلك المتطلبات بما يناسب ظروفها، وتضيف إليها ما تحتاجه من قواعد.
لفهم المتطلبات الرقابية بالتفصيل، راجع دليلنا عن لائحة حوكمة الشركات في السعودية.
الأساس النظامي لإعداد لائحة الحوكمة
تنص المادة الحادية والتسعون من لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية على أن يضع مجلس الإدارة قواعد حوكمة خاصة بالشركة لا تتعارض مع الأحكام الإلزامية، وأن يراقب تطبيقها ويتحقق من فعاليتها ويعدّلها عند الحاجة.
وتحدد المادة نفسها أربع مسؤوليات للمجلس:
التحقق من التزام الشركة بقواعد الحوكمة.
مراجعة القواعد وتحديثها وفق المتطلبات النظامية وأفضل الممارسات.
مراجعة قواعد السلوك المهني وتطويرها مع السياسات والإجراءات الداخلية.
إطلاع الأعضاء باستمرار على التطورات في مجال الحوكمة، أو تفويض ذلك إلى لجنة المراجعة أو غيرها.
وتجدر الإشارة إلى أن لائحة الهيئة إلزامية على الشركات المدرجة في السوق الرئيسية، باستثناء الأحكام المشار إلى أنها استرشادية. أما الشركات غير المدرجة والجهات الأخرى، فتستفيد منها مرجعاً منظماً عند بناء قواعدها الخاصة، إلى جانب ما يفرضه نظام الشركات والأنظمة القطاعية.
مكونات لائحة الحوكمة
لا يوجد قالب واحد يناسب الجميع، لكن هيكل لائحة الهيئة يقدم تقسيماً عملياً يمكن البناء عليه. وفيما يلي المكونات الأساسية التي تتضمنها لائحة الحوكمة المتكاملة.
حقوق المساهمين والجمعية العامة
المعاملة العادلة للمساهمين وحقوقهم المرتبطة بالأسهم.
حق الحصول على المعلومات والتواصل مع الشركة.
اختصاصات الجمعية العامة العادية وغير العادية وإجراءات انعقادها.
مجلس الإدارة واللجان والصلاحيات
تكوين المجلس وشروط العضوية وعوارض الاستقلال.
الوظائف الأساسية للمجلس وتوزيع الاختصاصات بينه وبين الإدارة التنفيذية.
تشكيل اللجان ومهامها وآليات رقابة المجلس عليها.
مصفوفة الصلاحيات التي تحدد مستوى اعتماد كل قرار.
وتتداخل هذه المكونات مع مبادئ الحوكمة الأساسية مثل الشفافية والمساءلة والعدالة.
تعارض المصالح والسلوك المهني
سياسة مكتوبة للتعامل مع تعارض المصالح وصفقات الأطراف ذوي العلاقة.
ضوابط الأعمال المنافسة وقبول الهدايا.
قواعد السلوك المهني التي تمثل قيم المؤسسة.
الرقابة الداخلية والإفصاح
نظام الرقابة الداخلية ووحدات إدارة المخاطر والمراجعة الداخلية.
العلاقة مع مراجع الحسابات الخارجي.
سياسات الإفصاح وتقرير مجلس الإدارة.
آلية الإبلاغ عن المخالفات وحماية المبلّغين.
الاحتفاظ بالوثائق والسجلات.
المرجعية الدولية للمكونات
إذا أردت مرجعاً دولياً، فإن مبادئ مجموعة العشرين ومنظمة OECD لحوكمة الشركات 2023 تتوزع على ستة فصول، أضيف آخرها في مراجعة 2023 تحت عنوان الاستدامة والمرونة (Sustainability and Resilience). وهذا مؤشر على أن لائحة الحوكمة الحديثة تتجاوز الامتثال المالي إلى إدارة المخاطر طويلة الأجل.
خطوات إعداد لائحة الحوكمة
الإعداد مشروع متكامل وليس مهمة كتابة. وفيما يلي التسلسل الذي نتبعه في مشاريع الحوكمة:
تحديد المتطلبات المنطبقة: نظام الشركات، ولائحة الهيئة إن كانت الشركة مدرجة، وتعليمات الجهة الرقابية القطاعية.
حصر الوثائق القائمة: النظام الأساس، والسياسات، ومواثيق اللجان، وقرارات التفويض.
تحليل الفجوات: مقارنة الوضع الحالي بالمتطلبات وأفضل الممارسات، وتصنيف الفجوات حسب الأولوية.
تصميم الهيكل: تحديد أبواب اللائحة وما يبقى فيها وما يُحال إلى سياسات مستقلة.
الصياغة: كتابة القواعد بلغة واضحة قابلة للتطبيق والقياس.
التشاور: عرض المسودة على الإدارة التنفيذية واللجان المعنية والمستشار القانوني.
الاعتماد: رفع المسودة النهائية إلى مجلس الإدارة.
النشر والتدريب: تعريف المعنيين بالقواعد الجديدة ومسؤولياتهم.
ونصيحتنا العملية: لا تبدأ بالصياغة. معظم الوثائق الضعيفة التي نراجعها كُتبت قبل تحليل الفجوات، فجاءت نسخة منقولة لا تعكس واقع المؤسسة.
اعتماد لائحة الحوكمة ومراجعتها الدورية
يعتمد مجلس الإدارة لائحة الحوكمة بقرار يُثبت في محضر الاجتماع. لكن بعض الوثائق المرتبطة بها لها مسار اعتماد مختلف. فمثلاً، تصدر الجمعية العامة لائحة عمل لجنة المراجعة بناءً على اقتراح من المجلس، وفق المادة الحادية والخمسين من لائحة الهيئة.
أما المراجعة الدورية، فتُبنى على ثلاثة محفزات:
التغيرات النظامية: صدور نظام أو لائحة أو تعديل يمس أحكامها.
التغيرات الداخلية: توسع النشاط، أو إعادة الهيكلة، أو دخول مساهمين جدد.
نتائج التقييم: ما يظهر من تقييم المجلس واللجان وتقارير المراجعة الداخلية.
وإذا شكّل المجلس لجنة مختصة بالحوكمة، فعليه أن يفوض إليها هذه الاختصاصات، وأن تزوده بتقاريرها وتوصياتها سنوياً على الأقل، كما تنص المادة الثانية والتسعون، وهي استرشادية.
أدوار الأطراف في الإعداد والتطبيق
نجاح أي وثيقة حوكمة يعتمد على وضوح من يملك كل جزء منها. وفي المشاريع التي نعمل عليها، نوزع الأدوار عادة على النحو التالي:
مجلس الإدارة: يملك القرار النهائي، ويعتمد القواعد ويتابع فعاليتها، ويحاسب الإدارة على تطبيقها.
لجنة الحوكمة أو لجنة المراجعة: تتابع موضوعات التطبيق وترفع ملاحظاتها وتوصياتها للمجلس.
أمين سر المجلس: يوثق القرارات والمحاضر، ويحفظ النسخ المعتمدة، ويتابع مواعيد المراجعة.
الإدارة القانونية والالتزام: تتحقق من اتساق الأحكام مع الأنظمة واللوائح السارية، وترصد التعديلات الجديدة.
الإدارة التنفيذية: تترجم القواعد إلى إجراءات تشغيلية ونماذج عمل يومية.
المراجعة الداخلية: تقيّم نظام الرقابة الداخلية، وتتحقق من التزام المؤسسة وعامليها بالأنظمة والسياسات والإجراءات، وفق المادة الثانية والسبعين من لائحة الهيئة.
وعندما يغيب هذا التوزيع، يتحول التحديث الدوري إلى مسؤولية لا يملكها أحد، فتتقادم الوثيقة بعد عام أو عامين من اعتمادها.
كيف تكيّف لائحة الحوكمة مع حجم مؤسستك؟
المؤسسة الصغيرة لا تحتاج الوثيقة نفسها التي تحتاجها شركة مدرجة متعددة الأنشطة. والتكييف لا يعني التنازل عن المبادئ، بل يعني اختيار الأدوات المناسبة.
الشركات المدرجة: تلتزم بالأحكام الإلزامية كاملة، وتضيف إليها ما يناسب قطاعها.
الشركات العائلية: تحتاج قواعد إضافية تفصل بين ملكية العائلة وإدارة الشركة.
الشركات المتوسطة: تكفيها لائحة مختصرة مع عدد محدود من اللجان وسياسات أساسية.
الجهات الحكومية وغير الربحية: تتبع الأطر التنظيمية الخاصة بها، مع الاستفادة من المبادئ نفسها.
ومن المفيد أن تراجع أحكام نظام الشركات السعودي لأنه الإطار الذي يحكم جميع الشركات، المدرجة وغير المدرجة.
أخطاء شائعة في الإعداد
النسخ من مؤسسة أخرى: تبدو الوثيقة مكتملة لكنها تشير إلى لجان غير موجودة أو صلاحيات لا تطبقها المؤسسة.
غياب مصفوفة الصلاحيات: تذكر اللائحة المبادئ وتغفل من يعتمد ماذا.
التكرار والتعارض: تتناقض أحكام اللائحة مع سياسات أقدم لم تُلغَ.
الاعتماد دون تطبيق: تُعتمد الوثيقة ثم تُحفظ دون تدريب أو متابعة.
صياغة غير قابلة للقياس: عبارات مثل "يراعي المجلس" و"يحرص على" دون تحديد مسؤول أو مهلة زمنية أو مخرج واضح، فيصعب التحقق لاحقاً من الالتزام بها.
إغفال اللجان الفرعية: تُفصَّل أحكام المجلس بدقة، بينما تبقى مواثيق اللجان قديمة أو غير معتمدة.
الخاتمة
لائحة الحوكمة الجيدة تختصر الجدل داخل المؤسسة، لأنها تجيب مسبقاً عن أسئلة الصلاحية والمسؤولية. وكلما بُنيت على تحليل حقيقي للفجوات، وراجعها المجلس دورياً، تحولت من وثيقة امتثال إلى أداة إدارة فعلية.
ابنِ لائحة الحوكمة التي تناسب مؤسستك
تعمل إمباور مع المؤسسات على تحليل فجوات الحوكمة، وصياغة لائحة الحوكمة والسياسات المرتبطة بها، وبناء مصفوفة الصلاحيات، وتدريب المجلس والإدارة على تطبيقها.
تعرّف على استشارات إدارة المخاطر والحوكمة المؤسسية، أو تواصل مع مستشارينا لبدء تقييم وضعك الحالي.
الأسئلة الشائعة
من يعتمد لائحة الحوكمة في الشركة؟
يضع مجلس الإدارة قواعد الحوكمة الخاصة بالشركة ويعتمدها، ويراقب تطبيقها ويعدّلها عند الحاجة. وبعض الوثائق المرتبطة، مثل لائحة عمل لجنة المراجعة، تصدرها الجمعية العامة بناءً على اقتراح المجلس.
هل لائحة الحوكمة إلزامية على الشركات غير المدرجة؟
لائحة هيئة السوق المالية إلزامية على الشركات المدرجة في السوق الرئيسية. أما غير المدرجة، فتخضع لنظام الشركات وتعليمات جهاتها الرقابية، ووجود لائحة حوكمة داخلية لديها ممارسة جيدة تنظم الصلاحيات وتحمي حقوق الشركاء.
كم مرة يجب تحديث لائحة الحوكمة؟
تطلب لائحة الهيئة من المجلس مراجعة القواعد وتحديثها وفق المتطلبات النظامية وأفضل الممارسات. وعملياً، تُراجع سنوياً، وعند أي تغيير نظامي أو هيكلي مؤثر.
ما الفرق بين لائحة الحوكمة ودليل السياسات؟
لائحة الحوكمة تحدد الإطار العام والصلاحيات والمسؤوليات. أما دليل السياسات فيفصّل الإجراءات التشغيلية لكل مجال، ويجب أن يتسق معها.