تضارب المصالح: أنواعه وسياسة إدارته والإفصاح عنه

تضارب المصالح

مدير مشتريات يرشّح مورّداً يملك قريبه حصة فيه. عضو مجلس إدارة يصوّت على عقد مع شركة يشارك في إدارتها. موظف يقبل هدية من عميل ينتظر قراراً منه. هذه مواقف يومية في أي مؤسسة، وكلها أمثلة على تضارب المصالح.

وجود التعارض في حد ذاته ليس مخالفة دائماً. المخالفة تبدأ حين يُخفى، أو حين يشارك صاحبه في القرار رغم وجوده. في هذا الدليل نشرح أنواع تضارب المصالح، وما تشترطه الأنظمة السعودية، وكيف تبني سياسة واضحة للإفصاح عن تضارب المصالح وإدارته.

ما هو تضارب المصالح؟

تضارب المصالح هو موقف تكون فيه للشخص مصلحة خاصة، مالية أو غير مالية، قد تؤثر في حياده عند أداء واجبه تجاه المؤسسة. وتستخدم الأنظمة السعودية مصطلح "تعارض المصالح"، والمعنى واحد.

المهم في التعريف كلمة "قد". فالتعارض لا يشترط أن يكون القرار قد تأثر فعلاً، بل يكفي أن يكون التأثير ممكناً. ولهذا تركز الأنظمة على الإفصاح المسبق، لا على إثبات الضرر بعد وقوعه.

أنواع تضارب المصالح

تعتمد كثير من الأطر الدولية تصنيفاً ثلاثياً، وتشرحه إرشادات أمانة مجلس الخزانة الكندية بوضوح:

التعارض الفعلي (Actual)

يعلم الشخص بوجود مصلحة خاصة كافية للتأثير في ممارسة واجباته الحالية. مثاله: عضو لجنة ترسية يملك حصة في إحدى الشركات المتقدمة للمنافسة.

التعارض المحتمل (Potential)

يتوقع الشخص أن مصلحة خاصة قد تصبح يوماً ما كافية للتأثير في واجبه، لكنها لم تؤثر بعد. مثاله: موظف يتفاوض على عرض عمل مع مورّد سيتعامل معه مستقبلاً.

التعارض الظاهري (Apparent)

يوجد حين يكون لدى شخص مطّلع اطلاعاً معقولاً تخوّف مبرر من وجود تعارض، حتى لو لم يكن قائماً في الحقيقة. وهذا النوع يضر بالسمعة والثقة حتى عندما يكون القرار سليماً.

أمثلة واقعية شائعة على تضارب المصالح

المشتريات والعقود: التعاقد مع جهة يملكها الموظف أو أحد أقاربه.

التوظيف والترقيات: مشاركة المدير في تقييم قريب له أو تعيينه.

الهدايا والضيافة: قبول هدايا من جهة لها تعاملات تجارية مع المؤسسة.

الأعمال المنافسة: إدارة نشاط خاص في المجال نفسه.

استغلال المعلومات: الاستفادة من فرصة استثمارية اطّلع عليها الشخص بحكم منصبه.

العضويات الخارجية: الجلوس في مجلس إدارة جهة منافسة أو متعاملة.

ما تشترطه لائحة هيئة السوق المالية

خصصت لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية فصلاً كاملاً لهذا الموضوع، من المادة الأربعين إلى السادسة والأربعين. وهي إلزامية على الشركات المدرجة في السوق الرئيسية، ومرجع مفيد لغيرها.

سياسة تضارب المصالح المكتوبة (المادة 41)

يضع مجلس الإدارة سياسة مكتوبة وواضحة تشمل الأعضاء واللجان والإدارة التنفيذية وسائر العاملين، وتتضمن سبعة عناصر:

التأكيد على تجنب الحالات التي تؤدي إلى التعارض.

أمثلة توضيحية تناسب طبيعة نشاط الشركة.

إجراءات واضحة للإفصاح والحصول على الترخيص أو الموافقة.

الإلزام بالإفصاح الدائم عن الحالات المحتملة أو الواقعة.

الإلزام بالامتناع عن التصويت أو المشاركة في القرار.

إجراءات التعاقد مع الأطراف ذوي العلاقة، وإبلاغ الهيئة والجمهور إذا بلغت الصفقة 1% أو أكثر من إجمالي الإيرادات وفق آخر قوائم سنوية مراجعة.

الإجراءات التي يتخذها المجلس عند الإخلال بالسياسة.

الامتناع عن التصويت وحظر استغلال الفرص (المادة 42)

يُبلغ العضو المجلس بحالات التعارض، ولا يُشرَك في المداولات، ولا يُحتسب صوته.

يُحظر عليه الاستفادة من أصول الشركة أو معلوماتها أو فرصها الاستثمارية.

يمتد الحظر إلى العضو الذي يستقيل بهدف استغلال فرصة علم بها أثناء عضويته.

الأعمال المنافسة والهدايا (المواد 44 إلى 46)

يُبلغ العضو المجلس بالعمل المنافس ويُثبت ذلك في المحضر.

لا يشارك في التصويت على القرار المتعلق به.

يحتاج إلى ترخيص من الجمعية العامة العادية، أو من المجلس بتفويض منها.

لا يجوز للأعضاء وكبار التنفيذيين قبول هدايا من متعاملين مع الشركة إذا كانت تؤدي إلى تعارض.

وتنعكس هذه الأحكام مباشرة على واجبات أعضاء مجلس الادارة، ويُسأل عنها كل عضو بصفته الفردية.

خطوات بناء سياسة تضارب المصالح

السياسة الفعالة لا تكتفي بنقل النص النظامي. وفيما يلي الخطوات التي نعتمدها عند تصميم سياسة تضارب المصالح:

تحديد النطاق: من تشمل السياسة؟ المجلس واللجان والتنفيذيون والموظفون، وربما المستشارون والموردون.

تعريف المصطلحات: القريب، والطرف ذو العلاقة، والمصلحة المباشرة وغير المباشرة.

بناء أمثلة من واقع النشاط: أمثلة المستشفى تختلف عن أمثلة شركة المقاولات.

تصميم نماذج الإفصاح: نموذج سنوي، ونموذج لكل حالة طارئة.

تحديد مسار القرار: من يقيّم الإفصاح؟ ومن يقرر المعالجة؟

وضع قواعد الهدايا: سقف للقيمة، وسجل للهدايا المقبولة والمرفوضة.

تحديد العقوبات: إجراءات متدرجة واضحة عند الإخلال.

التدريب والتوعية: شرح السياسة بأمثلة عملية عند التعيين وسنوياً.

آلية الإفصاح عن تضارب المصالح

الإفصاح هو العمود الفقري للسياسة. ونقترح عادة مسارين متوازيين:

الإفصاح السنوي

يُعبّأ في بداية كل سنة أو دورة.

يشمل الملكيات، والعضويات الخارجية، والأعمال الخاصة، وصلات القرابة ذات الأثر.

يُحفظ في سجل مركزي يطّلع عليه المعنيون عند اتخاذ القرارات.

الإفصاح عن تضارب المصالح عند كل حالة

يُقدَّم فور نشوء تضارب المصالح، وقبل مناقشة الموضوع المرتبط به.

يُثبت في محضر الاجتماع مع امتناع صاحب المصلحة عن المداولة والتصويت.

تُوثَّق المعالجة المقررة: الامتناع، أو نقل الصلاحية، أو التخارج من المصلحة.

معالجة الإفصاح بعد تقديمه

قبول مع ضوابط: يستمر الشخص في مهامه مع إبعاده عن القرار المرتبط بالمصلحة.

نقل الصلاحية: يُحال الملف إلى زميل أو لجنة أخرى لا ترتبط به.

إنهاء المصلحة: يُطلب من الشخص التخلي عن الحصة أو العضوية الخارجية.

الرفض: إذا تعذرت المعالجة، يُرفض التعامل مع الطرف المعني.

ومن الملاحظات المتكررة في المراجعات: سجل الإفصاح موجود، لكن لا أحد يقارنه بقوائم الموردين أو قرارات الترسية. الإفصاح الذي لا يُستخدم لا يمنع شيئاً.

دور الالتزام والمراجعة في مراقبة تضارب المصالح

تحتاج السياسة إلى جهة تتابع تطبيقها، وهنا يبرز دوران:

وظيفة الالتزام: تدير السجل، وتراجع الإفصاحات، وتطابقها مع التعاملات الفعلية. ويمكنك التعرف على هذا الدور بالتفصيل في دليل ادارة الالتزام.

لجنة المراجعة: تراجع العقود والتعاملات المقترحة مع الأطراف ذوي العلاقة وترفع مرئياتها للمجلس، وفق المادة الثانية والخمسين من لائحة الهيئة.

وفي القطاع الحكومي، تختلف الأطر التنظيمية، لكن المبدأ ذاته يحكم نزاهة القرار العام، وهو ما نتناوله في مقال الحوكمة في القطاع الحكومي.

علامات تدل على تضارب المصالح غير المُفصح عنه

لا تظهر حالات تضارب المصالح المخفية في السجلات عادة، لكنها تترك أثراً في البيانات والسلوك. ومن العلامات التي ننبّه إليها عند مراجعة بيئة الرقابة:

تكرار ترسية العقود على المورّد نفسه دون مبرر فني موثق.

إصرار شخص بعينه على المشاركة في ملف لا يدخل ضمن اختصاصه.

تطابق عناوين أو أرقام تواصل بين موظفين وموردين في السجلات.

استثناءات متكررة من إجراءات الشراء أو التوظيف لصالح جهة محددة.

تأخر غير مبرر في تقديم الإفصاح السنوي أو تقديمه فارغاً كل عام.

وجود علامة واحدة لا يثبت تضارب المصالح، لكنه سبب كافٍ لطرح السؤال والتحقق. وتستطيع وظيفة الالتزام أو المراجعة الداخلية تحويل هذه العلامات إلى اختبارات دورية على بيانات المشتريات والموارد البشرية.

الخاتمة

لا تستطيع أي مؤسسة منع وجود المصالح الخاصة لدى موظفيها وأعضاء مجلسها. ما تستطيعه هو إظهارها في الوقت المناسب، وإبعاد أصحابها عن القرارات المرتبطة بها. وسياسة تضارب المصالح الجيدة تحقق ذلك بقواعد واضحة، ونماذج بسيطة، وسجل يُستخدم فعلاً عند اتخاذ القرار.

ابنِ سياسة تضارب مصالح تحمي قراراتك

يساعدك فريق إمباور على تصميم سياسة تضارب المصالح ونماذج الإفصاح وسجل الأطراف ذوي العلاقة، بما يتوافق مع لائحة هيئة السوق المالية ويناسب طبيعة نشاطك.

اطّلع على استشارات إدارة المخاطر والحوكمة المؤسسية، أو تواصل مع مستشارينا لمراجعة سياستك الحالية.

الأسئلة الشائعة

هل وجود تضارب المصالح مخالفة في حد ذاته؟

لا. وجود المصلحة الخاصة ليس مخالفة بحد ذاته. المخالفة تقع عند عدم الإفصاح عنها، أو المشاركة في القرار المرتبط بها رغم وجودها.

ما الفرق بين التعارض الفعلي والتعارض الظاهري؟

الفعلي قائم حين توجد مصلحة خاصة كافية للتأثير في القرار. أما الظاهري فيوجد حين يرى شخص مطّلع سبباً معقولاً للاعتقاد بوجود تعارض، حتى لو لم يكن قائماً في الحقيقة.

متى يجب الإفصاح للهيئة عن صفقة مع طرف ذي علاقة؟

تشترط لائحة هيئة السوق المالية إبلاغ الهيئة والجمهور دون تأخير إذا كانت الصفقة مساوية أو تزيد على 1% من إجمالي إيرادات الشركة وفق آخر قوائم مالية سنوية مراجعة.

من يتحمل مسؤولية إدارة تضارب المصالح في المؤسسة؟

يضع مجلس الإدارة السياسة ويعتمدها، ويتحمل كل شخص مسؤولية الإفصاح عن مصالحه. أما المتابعة اليومية فتتولاها عادة وظيفة الالتزام، بينما تراجع لجنة المراجعة تعاملات الأطراف ذوي العلاقة.

هل يجوز لعضو مجلس الإدارة قبول الهدايا؟

لا يجوز للأعضاء وكبار التنفيذيين قبول هدايا من أي شخص له تعاملات تجارية مع الشركة إذا كانت الهدية تؤدي إلى تعارض في المصالح.

مشاركة المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *