ميثاق المراجعة الداخلية: المحتوى وخطوات الإعداد

ميثاق المراجعة الداخلية

حين يطلب المراجع الداخلي مستنداً من إدارة ما فترفض، أو حين يُطلب منه تنفيذ مهمة تشغيلية تمس استقلاله، يكون السؤال الأول: ما الذي يخوّله وما الذي يمنعه؟ الإجابة يجب أن تكون مكتوبة ومعتمدة مسبقاً، وهذا هو دور ميثاق المراجعة الداخلية.

في هذا الدليل نشرح محتوى الميثاق وفق معايير المراجعة الداخلية العالمية الصادرة عام 2024، ومتطلبات لائحة هيئة السوق المالية، وخطوات إعداده واعتماده ومراجعته.

ما هو ميثاق المراجعة الداخلية؟

هو وثيقة رسمية يعتمدها مجلس الإدارة أو لجنة المراجعة، تحدد الغرض من وظيفة المراجعة الداخلية وصلاحياتها ونطاق عملها وموقعها في الهيكل التنظيمي وخطوط رفع التقارير.

يمكن تلخيص وظيفته في ثلاث نقاط:

يمنح الصلاحية: يخوّل المراجعين الوصول إلى المعلومات والأشخاص والأصول.

يحمي الاستقلال: يضع الوظيفة في موقع يتيح لها إبداء الرأي دون ضغط.

يوضح التوقعات: يتفق عليه المجلس والإدارة العليا ورئيس المراجعة الداخلية قبل بدء العمل.

ولفهم عمل الوظيفة نفسها من التخطيط إلى التقرير، راجع دليلنا عن المراجعة الداخلية.

المرجعية المهنية والنظامية للميثاق

يستند الميثاق في المملكة إلى مرجعين رئيسيين: معيار مهني دولي، ولائحة نظامية محلية.

معايير المراجعة الداخلية العالمية 2024

أصدر معهد المراجعين الداخليين (IIA) معايير المراجعة الداخلية العالمية في 2024، وتتوزع على خمسة مجالات و15 مبدأ. ويتناول المعيار 6.2 الميثاق تحديداً، ضمن المبدأ السادس "التفويض من المجلس".

ويُلزم المعيار رئيس المراجعة الداخلية بإعداد الميثاق والمحافظة عليه، ومناقشة مسودته مع المجلس والإدارة العليا للتأكد من أنها تعكس فهمهم وتوقعاتهم.

لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية

تضع لائحة هيئة السوق المالية عدة متطلبات يجب أن يعكسها الميثاق في الشركات المدرجة:

ترتبط وحدة المراجعة الداخلية بلجنة المراجعة وترفع تقاريرها إليها وتكون مسؤولة أمامها (المادة 73).

تُمكَّن الوحدة من الاطلاع على المعلومات والمستندات والحصول عليها دون قيد (المادة 73).

لا يُكلف العاملون فيها بأعمال تتعارض مع أهداف المراجعة أو تخل باستقلالها (المادة 73).

تعمل الوحدة وفق خطة معتمدة من لجنة المراجعة تُحدَّث سنوياً (المادة 74).

تقدم تقريراً مكتوباً للمجلس ولجنة المراجعة كل ربع سنة على الأقل (المادة 75).

توصي لجنة المراجعة بتعيين مدير الوحدة وتقترح مكافآته (المادة 52).

المحتوى الإلزامي لميثاق المراجعة الداخلية

يحدد المعيار 6.2 أربعة عناصر يجب أن يتضمنها الميثاق كحد أدنى:

الغرض من المراجعة الداخلية: لماذا توجد الوظيفة، وما القيمة التي تضيفها للمؤسسة.

الالتزام بالمعايير العالمية: تعهد صريح بالالتزام بمعايير المراجعة الداخلية العالمية.

التفويض (Mandate): نطاق العمل وأنواع الخدمات المقدمة، سواء خدمات التأكيد أو الخدمات الاستشارية، ومسؤوليات المجلس وتوقعاته بشأن دعم الإدارة للوظيفة.

الموقع التنظيمي وخطوط التقرير: لمن يرفع رئيس المراجعة تقاريره وظيفياً وإدارياً.

وإذا كانت الأنظمة تحدد خط التقرير، كما في لائحة الهيئة، يشير الميثاق إليها صراحة.

عناصر إضافية يوصي بها المعيار

يذكر المعيار موضوعات أخرى يُنصح بإدراجها في الميثاق:

ضمانات الموضوعية والاستقلال: وكيف تُعالج حالات المساس بهما، وكم مرة تُعاد مراجعتها.

الوصول غير المقيد: إلى البيانات والسجلات والأشخاص والممتلكات.

التواصل: طبيعة الاتصال بالمجلس والإدارة العليا وتوقيته.

سير عمل المهمة: التواصل مع الإدارة قبل المهمة وأثناءها وبعدها، وكيفية حل الخلافات.

ضمان الجودة والتحسين: التقييمات الداخلية والخارجية وطريقة إبلاغ نتائجها.

الجوانب الإدارية: اعتماد ميزانية الوظيفة وشؤون موظفيها، ومصروفات رئيسها، وتقييم أدائه.

خطوات إعداد ميثاق المراجعة الداخلية واعتماده

نعتمد في مشاريع تأسيس وحدات المراجعة التسلسل التالي:

جمع المتطلبات: المعايير العالمية، ولائحة الهيئة، وأي تعليمات من الجهة الرقابية القطاعية.

مراجعة الهيكل القائم: أين تقع الوحدة اليوم؟ ومن يقيّم رئيسها؟ ومن يعتمد ميزانيتها؟

إعداد المسودة: يتولاها رئيس المراجعة الداخلية بالتنسيق مع أمانة اللجنة.

التشاور مع الإدارة العليا: لجمع توقعاتها ومناقشة أي نقاط حساسة كالوصول إلى الأنظمة.

المناقشة مع لجنة المراجعة: للتأكد من أن الميثاق يعكس فهم المجلس وتوقعاته.

الاعتماد: يعتمد المجلس أو لجنة المراجعة الميثاق، ويُثبت ذلك في المحضر مع تاريخ الاعتماد.

النشر الداخلي: تعريف الإدارات بصلاحيات المراجعة الداخلية والتزاماتها تجاهها.

ويذكر المعيار أن الأدلة على الالتزام تشمل محاضر الاجتماعات التي نوقش فيها الميثاق واعتُمد، والنسخة المعتمدة بتاريخها، ومحاضر تُثبت مراجعته الدورية.

هيكل مقترح لأبواب الميثاق

بناءً على متطلبات المعيار 6.2 ولائحة الهيئة، نقترح هيكلاً من تسعة أبواب يسهل على المجلس قراءته وعلى الإدارات الرجوع إليه:

المقدمة والغرض: تعريف الوظيفة والقيمة المتوقعة منها.

المرجعية: المعايير العالمية والأنظمة واللوائح ذات العلاقة.

التفويض والنطاق: خدمات التأكيد والخدمات الاستشارية، والجهات والأنشطة المشمولة.

الاستقلال والموضوعية: الموقع التنظيمي، وخطوط التقرير الوظيفي والإداري، وضمانات الاستقلال.

الصلاحيات: حق الوصول إلى البيانات والأنظمة والأشخاص والمواقع دون قيد.

المسؤوليات: مسؤوليات رئيس المراجعة، ولجنة المراجعة، والإدارة العليا تجاه الوظيفة.

التخطيط والتقارير: إعداد الخطة واعتمادها، ودورية التقارير ومحتواها.

الجودة: برنامج التقييم الداخلي والخارجي ومتابعة نتائجه.

الاعتماد والمراجعة: جهة الاعتماد وتاريخه ودورية المراجعة.

وفي المؤسسات الصغيرة يمكن دمج بعض هذه الأبواب، بشرط ألا يسقط أي من العناصر الأربعة الإلزامية.

مراجعة الميثاق وتحديثه

لا يُكتب الميثاق مرة واحدة ثم يُحفظ. يطلب المعيار من المجلس مراجعته مع رئيس المراجعة الداخلية عند حدوث تغييرات مؤثرة، ومنها:

تعيين رئيس جديد للمراجعة الداخلية.

تغير نوع المخاطر التي تواجهها المؤسسة أو شدتها أو ترابطها.

صدور متطلبات نظامية جديدة تمس الوظيفة.

ويوصي المعيار بأن يتفق رئيس المراجعة والمجلس على دورية محددة لإعادة تأكيد الميثاق. والممارسة الشائعة مراجعته سنوياً مع اعتماد خطة المراجعة.

الميثاق ضمن منظومة الرقابة الأوسع

تعمل المراجعة الداخلية إلى جانب وظائف أخرى، والميثاق الجيد يوضح الحدود بينها لتجنب الازدواجية أو الفراغ:

إدارة المخاطر: تحدد المخاطر وتقيسها، بينما تقدم المراجعة تأكيداً مستقلاً على فعالية إدارتها. وهذا ما يوضحه مقالنا عن إدارة المخاطر المؤسسية بذكاء ونموذج خطوط الدفاع.

الالتزام: يتابع تطبيق الأنظمة يومياً، بينما تراجع المراجعة الداخلية فعالية هذا التطبيق. ويمكنك التعمق في هذا الدور من خلال دليل ادارة الالتزام.

المراجع الخارجي: يركز على القوائم المالية، بينما يمتد نطاق المراجعة الداخلية إلى العمليات والحوكمة.

كيف تعرف أن الميثاق يعمل فعلاً؟

اعتماد الوثيقة لا يعني تطبيقها. وفي تقييماتنا لوظائف المراجعة، نبحث عن مؤشرات عملية تدل على أن الميثاق حاضر في العمل اليومي:

لا تتأخر طلبات المستندات: تحصل فرق المراجعة على البيانات المطلوبة في مدد معقولة دون تصعيد متكرر.

رئيس المراجعة يلتقي اللجنة منفرداً: تُعقد جلسات مغلقة دون حضور الإدارة التنفيذية بصورة منتظمة.

الخطة معتمدة من اللجنة: تصدر الخطة السنوية بقرار موثق، ويُبلَّغ المجلس بأي تعديل جوهري عليها.

لا يتولى المراجعون مهاماً تشغيلية: فلا يشاركون في إعداد الإجراءات التي سيراجعونها لاحقاً.

التقارير تصل في موعدها: يتلقى المجلس ولجنة المراجعة تقريراً ربع سنوي على الأقل يتضمن متابعة الملاحظات السابقة.

الملاحظات تُغلق: تُتابع الإجراءات التصحيحية حتى إغلاقها، ولا تتراكم الملاحظات المفتوحة عاماً بعد عام.

إذا غابت هذه المؤشرات، فالمشكلة غالباً في التطبيق أو في دعم الإدارة، لا في نص الوثيقة.

أخطاء شائعة في إعداد الميثاق

نسخ نموذج جاهز: يذكر الميثاق خدمات لا تقدمها الوحدة أو لجاناً غير موجودة.

خط تقرير مزدوج غامض: لا يحدد الميثاق من يقيّم أداء رئيس المراجعة أو يعتمد ميزانيته.

صلاحية وصول ناقصة: يستثني الميثاق أنظمة أو إدارات بعينها، فيتعطل العمل عند أول مهمة.

مرجعية قديمة: ما زال الميثاق يشير إلى إطار المعايير السابق رغم صدور معايير 2024.

الخاتمة

ميثاق المراجعة الداخلية هو الأساس الذي تقف عليه استقلالية الوظيفة وصلاحياتها. وكلما كان واضحاً في غرضه وتفويضه وخطوط تقريره، ومتوافقاً مع معايير 2024 ولائحة الهيئة، قلّت النزاعات أثناء المهام وارتفعت ثقة المجلس في نتائج المراجعة.

أسّس وظيفة مراجعة داخلية مستقلة وفعالة

يدعم فريق إمباور المؤسسات في إعداد الميثاق ولائحة عمل لجنة المراجعة، وتصميم خطة المراجعة المبنية على المخاطر، وتجهيز الوظيفة للتقييم الخارجي للجودة.

اطّلع على استشارات إدارة المخاطر والحوكمة المؤسسية، أو تواصل مع مستشارينا لمراجعة ميثاقك الحالي.

الأسئلة الشائعة

من يعتمد ميثاق المراجعة الداخلية؟

وفق المعيار 6.2 من معايير IIA العالمية، يعتمد المجلس الميثاق، وفي كثير من المؤسسات تتولى ذلك لجنة المراجعة نيابة عنه. ويُعد رئيس المراجعة الداخلية المسودة ويناقشها معهما قبل الاعتماد.

ما الفرق بين ميثاق المراجعة الداخلية ولائحة عمل لجنة المراجعة؟

الميثاق ينظم وظيفة المراجعة الداخلية وصلاحياتها. أما لائحة عمل لجنة المراجعة فتنظم اللجنة نفسها، وتصدرها الجمعية العامة بناءً على اقتراح مجلس الإدارة وفق لائحة هيئة السوق المالية.

كم مرة يُراجع الميثاق؟

لا يحدد المعيار مدة ثابتة، لكنه يطلب الاتفاق على دورية مراجعة، ومراجعته عند التغييرات المؤثرة كتعيين رئيس جديد للمراجعة أو تغير المخاطر. والممارسة الشائعة مراجعته سنوياً.

هل يمكن أن تحل الأنظمة محل الميثاق؟

يذكر المعيار أنه إذا كانت الأنظمة تغطي متطلبات الميثاق بشكل شامل، يمكن أن تحل محل الميثاق الرسمي. لكن في أغلب الحالات تبقى الحاجة قائمة لوثيقة تفصّل ما لا تتناوله الأنظمة.

مشاركة المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *