الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي: الأهداف والركائز

تبحث جهات كثيرة عن الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي لمواءمة خططها معها، ثم تجد مراجع متضاربة: بعضها يشير إلى خطط حكومة إلكترونية قديمة، وبعضها إلى وثيقة أحدث باسم مختلف.
الالتباس مفهوم. فالمسار الوطني مرّ بمراحل وتغيّرت أسماء وثائقه أكثر من مرة، وآخر تحديث جوهري جاء بعد إعادة هيكلة الحوكمة الرقمية في المملكة.
في هذا الدليل نوضح المسار من بدايته، ونحدد الوثيقة السارية اليوم وأهدافها ومستهدفاتها، وكيف تواءم جهتك خططها التشغيلية معها.
ما المقصود بـ الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي
هي المسار الوطني طويل الأمد الذي تبنّت المملكة من خلاله مفهوم التحول الرقمي الحكومي، باستبدال العمليات التقليدية بعمليات رقمية، وصولاً إلى حكومة رقمية متكاملة.
ولم يكن هذا المسار وثيقة واحدة ثابتة، بل سلسلة خطط عمل متعاقبة تطوّرت مع نضج المنظومة.
من الحكومة الإلكترونية إلى الحكومة الذكية
بدأ التوجه بخطط الحكومة الإلكترونية التي ركّزت على إتاحة الخدمات عبر القنوات الرقمية، ثم انتقل إلى مفهوم الحكومة الذكية.
وكان الهدف المعلن آنذاك إحداث تحوّل في الحكومة لتتسم بالمرونة والقدرة والابتكار، بما يمكّنها من توفير تجارب حكومية سلسة للمواطنين تتمحور حول احتياجاتهم.
إعادة الهيكلة وإنشاء هيئة الحكومة الرقمية
وُضعت استراتيجية الحكومة الذكية في الأصل لتحقيق مستهدفها بحلول عام 2024م. لكن صدر قرار بإعادة هيكلة الحوكمة الرقمية في المملكة، أفضى إلى إنشاء هيئة الحكومة الرقمية، فاستُبدلت الخطة بوثيقة جديدة.
هذه النقطة هي مصدر الالتباس الأكبر. من يبحث اليوم عن الوثيقة القديمة قد يبني خطته على مستهدفات لم تعد سارية.
ما الذي حلّ محلها: استراتيجية الحكومة الرقمية
الوثيقة السارية اليوم هي استراتيجية الحكومة الرقمية (2023 – 2030م)، وهي التي تحدد تطلعات المملكة ورؤيتها وأهدافها ومبادراتها وخارطة طريقها في هذا المجال.
لماذا استُبدلت الخطة السابقة
تغيّر الجهة المشرفة بإنشاء هيئة مستقلة للحكومة الرقمية.
الانتقال من التركيز على إتاحة الخدمة إلى التركيز على جودتها وتكاملها.
الحاجة إلى مواءمة أوثق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
النسخة المنقّحة 2025 – 2030
صدرت لاحقاً نسخة منقّحة مبنية على الاستراتيجية الأصلية المطلقة في 2023م، تعكس استمرار التوجه مع تحديث المستهدفات الزمنية.
والدرس العملي هنا للجهات: راجع نسخة الوثيقة قبل بناء خطتك عليها، فالاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي ليست نصاً جامداً.
أهداف الاستراتيجية ومستهدفاتها المعلنة
الهدف الطموح المعلن أن تقدّم الحكومة بحلول عام 2030م خدمات رفيعة المستوى تلبي احتياجات المواطنين بكفاءة وفعالية. وتترجم هذه الغاية إلى مستهدفات رقمية.
رضا المستفيدين
رفع مستوى رضا المواطنين عن الخدمات الرقمية إلى 90% بحلول 2025م، ثم إلى 95% بحلول 2030م.
نضج الخدمات الرقمية
تحقيق مستوى نضج يبلغ 90% للخدمات الرقمية بحلول 2025م، يرتفع إلى 95% بحلول 2030م.
الترتيب الدولي
التطلع إلى تصنيف المملكة ضمن المراتب العشرة الأولى عالمياً في مجال الحكومة الرقمية بحلول 2030م.
وهذا المستهدف قطع شوطاً كبيراً بالفعل، إذ حلّت المملكة في المرتبة السادسة عالمياً من بين 193 دولة في مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية 2024، والأولى إقليمياً، والثانية في مجموعة العشرين، بقفزة 25 مركزاً.
الركائز والمبادئ الحاكمة
تقوم الاستراتيجية على مبادئ تشغيلية تتكرر في وثائقها ومعاييرها.
التصميم الرقمي بالأصل
أن تُصمَّم الخدمة رقمية منذ البداية لا أن تُحوّل لاحقاً. وهذا المبدأ يغيّر ترتيب العمل: الإجراء يُبنى حول القناة الرقمية، لا العكس.
مبدأ «مرة واحدة فقط» في طلب البيانات
ألا تُطلب من المستفيد بيانات سبق أن قدّمها لجهة حكومية أخرى. تطبيق هذا المبدأ وحده يختصر خطوات كثيرة، لكنه يفترض تكاملاً فعلياً بين الجهات.
الهوية الرقمية الوطنية وحوكمة البيانات
هوية رقمية موحّدة تتيح الوصول للخدمات دون تكرار التحقق.
إطار واضح لملكية البيانات وجودتها ومشاركتها.
وهذه الركيزة تحديداً هي التي تتعثر عندها جهات كثيرة، وقد فصّلنا متطلباتها في حوكمة البيانات في السعودية.
الشمول والمشاركة الرقمية
الشمول ليس بنداً تجميلياً في الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي، بل شرط لصحة القياس نفسه: خدمة لا يستطيع جزء من المستفيدين استخدامها ليست خدمة مكتملة مهما بلغت جودتها التقنية.
ضمان وصول جميع فئات المجتمع إلى الخدمات، بمن فيهم ذوو الإعاقة وكبار السن، وإشراك المستفيدين في تصميم الخدمة لا استشارتهم بعد إطلاقها.
كيف تواءم جهتك خططها التشغيلية معها
المواءمة ليست نسخ عبارات الاستراتيجية في مقدمة خطتك. هي ربط كل مبادرة لديك بمستهدف وطني قابل للقياس.
اربط كل مبادرة بمستهدف — أي مبادرة لا تخدم مستهدفاً معلناً تُراجع أو تُلغى.
اعتمد المؤشرات نفسها — قِس رضا المستفيد ونضج الخدمة بالتعريف الوطني لا بتعريف داخلي.
طبّق المبادئ على الخدمات القائمة — لا على الجديدة فقط.
راجع الفجوة سنوياً — بعد صدور نتائج القياس الوطني.
أسئلة المواءمة الأربعة
هل تعرف مستهدف جهتك من نضج الخدمات لهذا العام؟
هل لديك خدمة واحدة ما زالت تطلب بيانات تملكها جهة أخرى؟
من يملك الهوية الرقمية والتكامل داخل جهتك؟
هل مبادراتك مشتقة من الاستراتيجية أم موروثة من خطط سابقة؟
ولربط هذه المواءمة بوثيقة استراتيجية داخلية متكاملة، يوضح دليل استراتيجية التحول الرقمي خطوات البناء. أما السياق الوطني الأوسع فنتناوله في التحول الرقمي في السعودية.
كيف تختلف المواءمة بحسب نوع الجهة
ليست كل الجهات في الموقع نفسه، ومعنى المواءمة يختلف باختلاف طبيعة العمل.
الجهات الخدمية المباشرة
تتعامل مع أعداد كبيرة من المستفيدين يومياً، فتتركز أولويتها في نضج الخدمة واكتمالها رقمياً وزمن الإنجاز.
الجهات التنظيمية والرقابية
خدماتها أقل عدداً وأعلى أثراً، وتتركز أولويتها في التكامل وتبادل البيانات مع الجهات الخاضعة لإشرافها.
الجهات الداعمة
معظم مستفيديها داخليون، فتتركز أولويتها في كفاءة العمليات الداخلية وجودة البيانات التي تغذي غيرها.
والخطأ الشائع أن تنسخ جهة داعمة مؤشرات جهة خدمية، فتقيس ما لا يعبّر عن عملها وتظهر نتيجتها أضعف من واقعها.
أين تقف الجهات اليوم
يوفّر القياس السنوي صورة واقعية عن المسافة المتبقية. فقد بلغت نتيجة الجهات الحكومية 88.30% في دورة 2025م مقارنة بـ 87.14% في العام السابق، بمشاركة 240 جهة، مع تقدم 26 جهة إلى مرحلتي التكامل والإبداع.
الرقم الإجمالي مرتفع، لكنه يخفي تفاوتاً كبيراً بين الجهات. والمقارنة المفيدة ليست مع المتوسط بل مع المستهدف المعلن لعام 2030م.
أخطاء شائعة في المواءمة
نسخ عبارات الاستراتيجية في مقدمة الخطة دون ربط تشغيلي.
البناء على وثيقة قديمة لم تعد سارية بعد إعادة الهيكلة.
مؤشرات داخلية بتعريفات خاصة تتعارض مع تعريفات القياس الوطني.
مواءمة المبادرات الجديدة فقط وترك الخدمات القائمة على حالها.
التعامل مع المواءمة كعمل سنوي يُنجز قبل رفع التقرير.
والنمط الثالث تحديداً هو الأكثر كلفة، لأنه يُنتج جهة تعتقد أنها متقدمة حتى تصدر النتيجة الوطنية فتكتشف الفجوة.
الخلاصة
الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي مسار متعاقب لا وثيقة واحدة، وقد استُبدلت خطة الحكومة الذكية بعد إعادة الهيكلة وإنشاء هيئة الحكومة الرقمية.
الوثيقة السارية اليوم هي استراتيجية الحكومة الرقمية 2023–2030م بنسختها المنقّحة، ومستهدفاتها واضحة: رضا 95% ونضج 95% وترتيب ضمن العشرة الأوائل بحلول 2030م. والمواءمة الحقيقية تبدأ بربط كل مبادرة بمستهدف قابل للقياس.
واءم خطتك مع التوجه الوطني
يعمل مستشارو إمباور مع الجهات الحكومية على مراجعة خططها الرقمية، وربط مبادراتها بالمستهدفات الوطنية، وبناء مؤشرات داخلية متسقة مع تعريفات القياس الوطني.
اطّلع على خدمات استشارات التحول الرقمي وتقنية المعلومات، أو تواصل مع مستشارينا لمراجعة مواءمة خطتك الحالية.
الأسئلة الشائعة
ما الوثيقة السارية اليوم للتحول الرقمي الحكومي؟
استراتيجية الحكومة الرقمية للفترة 2023–2030م، وصدرت لها نسخة منقّحة تغطي 2025–2030م. أما خطة الحكومة الذكية السابقة فقد استُبدلت بعد إعادة هيكلة الحوكمة الرقمية وإنشاء هيئة الحكومة الرقمية.
ما أبرز مستهدفات الاستراتيجية؟
رفع رضا المواطنين عن الخدمات الرقمية إلى 90% بحلول 2025م و95% بحلول 2030م، وتحقيق نضج للخدمات بنسبة 90% ثم 95% في الفترتين نفسيهما، مع التطلع إلى المراتب العشر الأولى عالمياً في الحكومة الرقمية بحلول 2030م.
ما معنى مبدأ «مرة واحدة فقط»؟
ألا تُطلب من المستفيد بيانات سبق أن قدّمها لجهة حكومية أخرى. تطبيقه يختصر خطوات الخدمة، لكنه يتطلب تكاملاً فعلياً بين الجهات وإطاراً واضحاً لملكية البيانات.
كيف تربط جهتي خطتها بالاستراتيجية؟
اربط كل مبادرة بمستهدف وطني معلن، واعتمد تعريفات القياس الوطني لمؤشراتك الداخلية بدل تعريفات خاصة، وراجع الفجوة سنوياً بعد صدور نتائج القياس.
هل تسري هذه الاستراتيجية على القطاع الخاص؟
هي موجّهة للجهات الحكومية. لكن مبادئها — التصميم الرقمي بالأصل، وعدم تكرار طلب البيانات، والشمول — قابلة للتطبيق في أي منظمة، وتستخدمها شركات كبرى كمرجع استرشادي لتقييم نضجها.