دليل أنواع الحوكمة في القطاعين العام والخاص

أنواع الحوكمة

كلمة «الحوكمة» تُستخدم اليوم في سياقات شديدة الاختلاف: مجلس إدارة شركة مدرجة، ومكتب إدارة مشاريع، وسياسة وصول إلى قواعد بيانات، ومجلس عائلي يناقش انتقال الملكية.

كلها حوكمة بالفعل، لكنها ليست الشيء نفسه.

الخلط بين أنواع الحوكمة يقود إلى خطأ عملي مكلف: تطبيق أدوات نوع على نوع آخر، فتُفرَض على مكتب المشاريع ترتيبات صُممت أصلًا لمجلس إدارة، أو تُدار البيانات بلوائح كُتبت للامتثال المالي.

في هذا الدليل نستعرض أنواع الحوكمة بحسب نطاق التطبيق وبحسب المجال الوظيفي، والقاسم المشترك بينها، وكيف تختار النموذج المناسب لمنظمتك.

ما المقصود بالحوكمة قبل الحديث عن أنواعها؟

الحوكمة هي منظومة العلاقات والهياكل التي تحدد كيف تُوجَّه المنظمة وتُراقَب: من يقرر، ومن ينفذ، ومن يُحاسَب.

وبحسب مبادئ حوكمة الشركات الصادرة عن مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن الحوكمة تتضمن مجموعة من العلاقات بين إدارة الشركة ومجلسها ومساهميها وأصحاب المصالح فيها، وتوفر الهيكل والأنظمة التي تُوجَّه بها الشركة وتُحدَّد أهدافها ووسائل تحقيقها ومراقبة الأداء.

هذا التعريف هو الأصل الذي تتفرع منه كل أنواع الحوكمة. ما يتغير هو نطاق التطبيق ومن هم أصحاب المصلحة، لا المنطق نفسه.

أنواع الحوكمة بحسب نطاق التطبيق

يصنّف هذا المحور أنواع الحوكمة بحسب طبيعة الكيان نفسه: من يملكه، ولمن يُحاسَب.

حوكمة الشركات

أشهر الأنواع وأكثرها تنظيمًا. تُعنى بالعلاقة بين المساهمين ومجلس الإدارة والإدارة التنفيذية.

في المملكة، تصدر هيئة السوق المالية لائحة حوكمة الشركات، الصادرة في 13 فبراير 2017 والمعدَّلة في 18 يناير 2023. وتبيّن اللائحة القواعد والمعايير المنظمة لإدارة الشركة لضمان الالتزام بأفضل ممارسات حوكمة الشركات التي تكفل حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح.

أدواتها الأساسية: مجلس الإدارة، ولجانه (المراجعة، والترشيحات، والمكافآت)، وسياسات الإفصاح وتعارض المصالح.

وهي المرجع الذي تُقاس عليه بقية أنواع الحوكمة، لأن أدبياتها الأقدم والأكثر تنظيمًا.

حوكمة الشركات العائلية

تختلف عن سابقتها في أن الملكية والإدارة والعلاقة الأسرية تتداخل في الأشخاص أنفسهم.

الميثاق العائلي ينظّم العلاقة بين الأسرة والشركة.

المجلس العائلي يفصل النقاش الأسري عن نقاش الأعمال.

سياسات التوظيف والتوريث تحدد شروط دخول أفراد الأسرة وانتقال الملكية.

وإهمال هذا النوع تحديدًا هو ما يفسّر تعثر كثير من الشركات العائلية عند الانتقال إلى الجيل الثاني أو الثالث، حين تُطرح أسئلة الملكية والإدارة دفعة واحدة بلا إطار سابق يحكمها.

حوكمة القطاع العام

جمهورها المستفيد لا المساهم، ومقياس نجاحها الأثر لا الربح.

تركز على وضوح الصلاحيات بين الجهات، والشفافية في القرار، والمساءلة أمام جهات إشرافية متعددة. والتحدي الأبرز فيها تعدد جهات الإشراف نفسها، إذ تجد الجهة الواحدة نفسها مطالَبة بتقارير مختلفة الصيغة عن الأداء نفسه. ومع اتساع برامج تحقيق رؤية 2030 صار هذا النوع أكثر أنواع الحوكمة حضورًا في الجهات السعودية.

حوكمة الجهات غير الربحية

رابع أنواع الحوكمة في هذا التصنيف، وأقلها تنظيمًا من الناحية النظامية رغم حساسيتها العالية.

تجمع بين حماية موارد المانحين وضمان تحقيق الغرض المعلن، مع درجة عالية من الشفافية أمام الجمهور والجهات المنظمة. وهي أقرب أنواع الحوكمة إلى حوكمة القطاع العام من حيث منطق المساءلة، وإن اختلفت في الأدوات.

أنواع الحوكمة بحسب المجال الوظيفي

النوع الثاني من التصنيف لا ينظر إلى شكل المنظمة بل إلى المجال الذي تُطبَّق فيه الحوكمة.

حوكمة المشاريع والمحافظ

تحدد من يعتمد المشروع، ومن يجيز تغيير نطاقه أو ميزانيته، ومتى يُوقف.

غيابها هو السبب الأشهر لتضخم المشاريع دون قرار صريح بذلك، وقد فصّلناه في مقال حوكمة المشاريع: مفتاح النجاح.

حوكمة تقنية المعلومات والحوكمة الرقمية

تنظّم قرارات الاستثمار التقني وأولوياته، وإدارة الخدمات، وأمن الأنظمة.

وهي من أسرع أنواع الحوكمة نموًا لأن الأصول التقنية صارت في قلب نموذج التشغيل لا على أطرافه. وقد تناولناها في مقال الحوكمة الرقمية: تعزيز الشفافية والامتثال.

حوكمة البيانات

تحدد ملكية البيانات وتصنيفها وضوابط الوصول إليها ودورة حياتها. وقد أصبحت متطلبًا تنظيميًا في المملكة لا ممارسة اختيارية، بعد أن ربطتها الجهات المنظمة بمتطلبات تسجيل والتزام محددة.

حوكمة المخاطر والامتثال

تُعد الطبقة التي تتقاطع مع كل أنواع الحوكمة الأخرى، لأنها تحكم كيفية التعامل مع عدم اليقين أيًا كان مجاله.

تربط شهية المخاطر المعتمدة من الإدارة العليا بالقرارات التشغيلية اليومية، وتضمن التزام المنظمة بالأنظمة السارية عليها.

ما المشترك بين كل أنواع الحوكمة؟

مهما اختلف النوع، تتكرر أربعة عناصر:

صلاحيات محددة. من يقرر ماذا، وعند أي حد ينتقل القرار إلى مستوى أعلى.

مساءلة بالاسم. لكل قرار مالك، لا لجنة عامة.

شفافية المعلومة. وصول من يحتاج المعلومة إليها في وقتها.

آلية مراجعة. دورية ثابتة تراجع القرارات ونتائجها.

أي نموذج حوكمة يفتقد أحد هذه العناصر يبقى وثيقة لا نظامًا. وهذا الاختبار الرباعي هو أسرع طريقة لتقييم أي من أنواع الحوكمة القائمة لديك: طبّقه على لجنة واحدة وسترى الفجوة فورًا.

كيف تختار نموذج الحوكمة المناسب لمنظمتك؟

ابدأ من الإلزام النظامي. إن كنت شركة مدرجة، فلائحة هيئة السوق المالية هي نقطة البداية غير القابلة للتفاوض.

حدد أين يتعثر القرار اليوم. الحوكمة تُبنى لعلاج تعثر حقيقي لا لاستكمال هيكل.

اختر نوعًا واحدًا وابدأ به. تطبيق أنواع الحوكمة كلها دفعة واحدة يُنهك المنظمة.

راعِ الحجم والنضج. منشأة متوسطة لا تحتاج أربع لجان دائمة.

اربطها بالمخاطر. أعلى المخاطر تحدد أين تُبنى ضوابط الحوكمة أولًا.

وقد تناولنا هذا التطبيق العملي في القطاع الخاص في مقال حوكمة فعّالة للقطاع الخاص.

أخطاء شائعة في تطبيق الحوكمة

نسخ نموذج من نوع إلى آخر. ترتيبات مجلس إدارة لا تصلح لإدارة محفظة مشاريع.

لجان بلا صلاحية. لجنة لا تملك قرارًا ولا ميزانية تضيف اجتماعًا ولا تضيف ضبطًا.

الإفراط في التوثيق. عشرات السياسات التي لا يقرؤها أحد ليست حوكمة.

إسنادها لجهة واحدة. الحوكمة مسؤولية موزعة، لا مهمة إدارة الالتزام وحدها.

غياب أثر المخالفة. ضابط بلا تبعات عند تجاوزه يُعلِّم الجميع أنه اختياري.

ويجمع بين هذه الأخطاء تصوّر واحد: أن الحوكمة شكل تنظيمي يُستكمل، بينما هي في حقيقتها آلية لتوزيع القرار وضبط أثره. وحين يغيب هذا الفهم يتحول كل ما يُبنى إلى طبقة إجرائية تُبطئ العمل دون أن تحميه.

الخلاصة

أنواع الحوكمة تختلف في النطاق وتتفق في المنطق.

بحسب النطاق: حوكمة الشركات، والشركات العائلية، والقطاع العام، والجهات غير الربحية.

بحسب المجال: حوكمة المشاريع، وتقنية المعلومات، والبيانات، والمخاطر والامتثال.

القاسم المشترك: صلاحيات محددة، ومساءلة بالاسم، وشفافية، ومراجعة دورية.

معيار الاختيار: الإلزام النظامي أولًا، ثم موضع تعثر القرار فعليًا.

المنظمات التي تنجح في هذا الملف لا تطبّق كل أنواع الحوكمة، بل تطبّق النوع الذي تحتاجه بعمق كافٍ. ويمكنك الاطلاع على مواد أوسع في مركز المعرفة لدى إمباور.

حدد نموذج الحوكمة الذي تحتاجه منظمتك

إذا كانت لديك لجان ووثائق ومع ذلك تتأخر القرارات وتتكرر التجاوزات، فالمشكلة في تصميم الحوكمة لا في عدد الوثائق.

يعمل فريق استشارات إدارة المخاطر والحوكمة المؤسسية في إمباور مع الجهات السعودية على تصميم هياكل الحوكمة، وبناء مصفوفات الصلاحيات، وربط الضوابط بالمخاطر الفعلية بدل الاكتفاء بالتوثيق.

تواصل مع مستشارينا لمراجعة ترتيبات الحوكمة الحالية لديك.

الأسئلة الشائعة

كم عدد أنواع الحوكمة؟

لا يوجد عدد نهائي متفق عليه، لأن التصنيف يعتمد على الزاوية. التصنيف بحسب نطاق التطبيق يعطي أربعة أنواع رئيسية، والتصنيف بحسب المجال الوظيفي يعطي أربعة أخرى. والأدق أن يُنظر إليها كطبقات متداخلة لا فئات منفصلة.

ما الفرق بين الحوكمة والإدارة؟

الحوكمة تحدد ما ينبغي تحقيقه ومن يُحاسَب عليه، والإدارة تحدد كيف يُنفَّذ وتتولى التنفيذ. حين يبدأ مجلس الإدارة في اعتماد قرارات تشغيلية، يكون الفصل قد اختل.

هل تحتاج الشركات غير المدرجة إلى حوكمة؟

نعم، بصيغة متناسبة مع حجمها. الشركات العائلية والمنشآت المتوسطة تستفيد من أنواع الحوكمة المناسبة لها دون الحاجة إلى كامل الترتيبات المطلوبة من الشركات المدرجة.

أي أنواع الحوكمة يُبدأ به؟

يُبدأ بالنوع الذي يفرضه النظام إن وُجد، ثم بالنوع الذي يعالج أكبر تعثر قائم. المنظمة التي تتأخر مشاريعها تبدأ بحوكمة المشاريع، والتي تعاني تضارب البيانات تبدأ بحوكمة البيانات.

من المسؤول عن الحوكمة داخل المنظمة؟

مجلس الإدارة يتحمل المسؤولية النهائية، لكنها موزعة عمليًا: الإدارة التنفيذية تعمل ضمن صلاحيات مفوضة، ووظائف المراجعة والمخاطر تقدم التأكيد المستقل. حصر الحوكمة في إدارة واحدة من أشهر أسباب فشلها.

مشاركة المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *